فصل: تفسير الآية رقم (247):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (245):

{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)}
قلت: القرض هو القطع، أطْلِقَ على السلف؛ لأن المُقْرِضَ يقطع قطعة من ماله ويدفعها للمستلف، والمراد بها الصدقة؛ لأن المتصدق يدفع الصدقة فيردها الحق تعالى له بضعف أمثالها؛ فأشبهت القرض في مطلق الرد.
يقول الحقّ جلّ جلاله: مَنْ هذا الذي يعامل الله تعالى ويقرضه {قرضاً حسناً} بأن بتصدق على عباده صدقة حسنة بنية خالصة، فيُكثرها الله تعالى له {أضعافاً كثيرة}؛ بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، ولا يحمله خوف الفقر على ترك الصدقة؛ فإن الله تعالى يقبض الرزق عمن يشاء ولو قل إعطاؤه، ويبسط الرزق على من يشاء ولو كثر إعطاؤه، بل يقبض على من قبض يده شحّاً وبخلاً، ويبسط على من بسط يده عطاءً وبذلاً، يقول: «يا ابن آدم أَنْفِقْ أُنِفقْ عليك»، «أُنْفِقْ ولا تَخْش مِنْ ذِي العَرِشَ إِقلالاً».
ونسبة القرض إليه تعالى ترغيب وتقريب للإفهام، كما قال في الحديث القدسي: «يقول الله تعالى يوم القيامة: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْني، قَالَ: يَا رَبّ! كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالِّمِين؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ. أَمَا إِنَكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتِني. يَا ابْنَ آدَم اسْتَطْعَمتُكَ فَلَمْ تُطْعِمني. قال: يَا رَبّ! كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تُطْعمْه؟ أَمَأ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَه لَوَجَدْتَ ذَلكَ عِنْدِي. يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيتك فَلَمْ تَسْقِيني. قَالَ. يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قال: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تسْقِه. أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».
الإشارة: من هذا الذي يقطع قلبه عن حب الدارين، ويرفع همته عن الكونين، فإن الله {يضاعفه له أضعافاً كثيرة} بأن يُمَلِّكَهُ الوجودَ بما فيه، أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك، {والله يقبض ويبسط} فيقبض الوجود تحت حكمك وهمتك، إن رفعت همتك عنه، ويبسط يدك بالتصرف فيه، إن علقت عمتك بخالقه. أو يقبض القلوب بالفقد والوحشة، ويبسطها بالإيناس والبهجة. أو يقبض الأرواح بالوفاة، ويبسطها بالحياة. والقبض والبسط عند أهل التصوف: حالتان تتعاقبان على القلوب تعاقب الليل والنهار، فإذا غلب حال الخوف كان مقبوضاً، وإذاغلب حال الرجاء كان مبسوطاً، وهذا حال السائرين. أما الواصلون فقد اعتدل خوفهم ورجاؤهم، فلا يؤثر فيهم قبض ولا بسط، لنهم مالكوا الأحوالَ.
قال القشيري: فإذا كاشف العبدَ بنعت جماله بسطَه، وإذا كاشفه بنعت جلاله قَبضه. فالقبض يوجب إيحاشَه، والبسط يُوجب إيناسه، واعلم أنه يَرُدُّ العبد إلى حال بشريته، فيقبضه حتى لا يُطيق ذَرَّة، ويأخذه مَرَّة عن نعوته، فيجد لحمل ما يَرِدُ عليه قدرة وطاقة، قال الشَّبْلِي رضي الله عنه: (من عَرَفَ الله حمَل السماوات والأرض على شعرة من جَفْن عينه، ومن لم يعرف الله- جلّ وعلا- لو تعلق به جَناح بعوضة لضجَّ).
وقال أهل المعرفة: أذا قَبض قَبض حتى لا طاقة، وإذا بسط بسط حتى لا فاقة، والكل منه وإليه. ومن عرف أن الله هو القابض الباسط، لم يَعتِب أحداً من الخلق، ولا يسكن إليه في إقبال ولا إدبار، ولم ييأس منه في البلاء، ولا يسكُن إليه في عطاء، فلا يكون له تدبير أبداً. اهـ.
ولكلٍّ من القبض والبسط آداب، فآداب القبض: السكون تحت مجاري الأقدار، وانتظار الفرج من الكريم الغفار. وآداب البسط: كف اللسان، وقبض العنان، والحياء من الكريم المنان. والبسط مَزَلَّة أقدام الرجال. قال بعضهم: (فُتح عليَّ بابٌ من البسط فزللتُ زَلَّة، فحُجِبْتُ عن مقامي ثلاثين سنة). ولذلك قيل: قف على البساط وإياك والانبساطَ.
واعلم أن القبض والبسط فوق الخوف والرجاء، وفوق القبض والبسط: الهيبة والأنس فالخوف والرجاء للمؤمنين، والقبض والبسط للسائرين، والهيبة والأنس للعارفين، ثم المحو في وجود العين للمتمكنين، فلا هيبة لهم، ولا أنس، ولا علم، ولا حس.
وأنشدوا:
فلو كُنْتَ مِنْ أَهلِ الوُجودِ حقيقةً ** لغبْتَ عَن الأكوانِ والعرشِ والكرسي

وكُنْتَ بلا حالٍ مَع اللّهِ واقفاً ** تُصان عَنْ التّذْكَارِ للجِن والإِنْسِ

.تفسير الآية رقم (246):

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم تر} يا محمد- فتعتبر- {إلى} قصة جماعة {من بني إسرائيل من بعد} موت {موسى} حين طلبوا الجهاد، وقالوا {لنبيّ لهم} يقال له: شمويل، وقيل: شمعون {ابعث لنا ملكاً} يَسوس أمرنا ونرجع إليه في رأينا؛ إذ الحرب لا تستقيم بغير إمام {نقاتل} معه {في سبيل الله قال} لهم ذلك النبيّ: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} أي: هل أنتم قريب من التولي والفرار إن كُتب عليكم القتال؟ والمعنى: أتوقع جُبْنكم عن القتال إنْ فُرض عليكم. والأصل: عساكم أن تجبنوا إن فرض عليكم، فأدخل {هل} على فعل التوقع، مستفهماً عما هو المتوقع عنده، تقريراً وتثبيتاً.
{قالوا} في جوابه: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} أيْ: أيُّ مانع يمنعنا من القتال وقد وُجد داعيه؟ وهو تسلط العدو علينا فأخْرَجَنَا من ديارنا وأسَرَ أبناءَنا، وكان الله تعالى سلط عليهم جالوت ومن معه من العمالقة، كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، وذلك لمَّا عصوا وسفكوا الدماء، فخرَّبَ بيت المقدس، وحرق التوراة، وأخذ التابوت الذي كانوا ينتصرون به، وسبي نساءهم وذراريهم. رُوِيَ أنه سبي من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين، فسألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكاً يجاهدون معه، {فلما كُتب عليهم القتال} ويَسر لهم ملكاً يسوسهم وهو طالوت. جبنُوا وتولوا {إلا قليلاً منهم}، وهم من عَبَرَ النهر مع طالوت، {والله عليم بالظالمين} فيخزيهم ويُفسد رأيهم... نعوذ بالله من ذلك.
الإشارة: ترى كثيراً من الناس يتمنون أو لو ظفروا بشيخ التربية، ويقولون: لو وجدناه لجاهدنا أنفسنا أكثر من غيرنا، فلما ظهر، وعُرف بالتربية، تولى ونكص على عقبيه، وتعلل بالإنكار وعدم الأهلية، إلا قليلاً ممن خصه الله بعنايته {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشآء} [البَقَرَة: 105] {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البَقَرَة: 105] سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه.

.تفسير الآية رقم (247):

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقال لهم نبيهم} شمويل: {إن الله قد بعث لكم} ملكاً، أي: عيَّنه لكم لتقاتلوا معه، وهو {طالوت} وهو عَلَمٌ عِبْراني كدَاوُد، {قالوا} تعنتاً وتشغيباً: {أنى يكون له الملك علينا} أي من أين يستأهل التملك علينا وليس من دار الملك؟ لأن المملكة كانت في أولاد يهوذا، وطالوت من أولاد بنيامين، والنبوة كانت في أولاد لاوى. وقالوا: {نحن أحق بالملك منه} وراثة ومُكْنة، لأن دار المملكة فينا. وأيضاً هو فقير {لم يُؤْتَ سعة من المال} يتقوى به على حرب عدوه، وكان طالوت فقيراً راعياً أو سَقَّاءً أو دباغاً. {قال} لهم نبيهم- عليه السلام-: {إن اصطفاه عليكم} رغم أنفكم. قال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبيهم: إذا دخل عليك رجل فَنَش الدُهنَ الذي في القرن فهو ملكهم، فلما دخل طالوت نَشَّ الدهن.
وقال السدي: أرسل الله إليه عَصا، وقال له: إذا دخل عليك رجل على طول هذه العصا فهو ملكهم، فكان ذلك طالوت فتبيَّن أن الله تعالى اصطفاه للملك، {وزاده بسطه في العلم} فكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة وقيل: بالحروب وعلم السياسة. وزاده أيضاً بسطه في {الجسم}، فكان أطولُ بني إسرائيل يبلغ إلى مَنْكبِهِ. وذلك ليكون أعظم خطَراً في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، {والله يؤتي ملكه من يشاء}؛ لأنه مَلِك الملوك يضع مُلكه حيث شاء، {والله واسع} فيوسع على الفقير ويغنيه بلا سبب، {عليم} بمن يليق بالملك بسبب وبلا سبب.

.تفسير الآية رقم (248):

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)}
قلت: قال الجوهري: أصل التابوت: تأبُوة، مثل تَرْقُوة وهي فَعْلُوةٌ، فلما سُكِّنتْ الواو، انقلبت هاء التأنيث تاءٌ، فلغة قريش بالتاء، ولغة الأنصار بالهاء.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقال لهم نبيهم} لَمَّا طلبوا منه الحجة على اصطفاه طالوت للملك: {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} وهو صندوق من خشب الشمشار مُمَوَّه بالذهب، طوله ثلاثة أذرع في سعة ذراعين {فيه سكينة من ربكم} أي: فيه ما تسكن إليه قلوبكم وتثبت عند الحرب. وكانوا يُقدمونه أمامهم في الحروب فلا يفرون، ويُنصرون على عدوهم، وقيل: كان فيه صور الأنبياء من آدم السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: كان فيه طَسْت من ذهب غُسلت به قلوب الأنبياء- عليهم السلام- وهي السكينة- وفي {بقيمة مما ترك آل موسى} وهي رُضاض الألواح، وعصا موسى، وثيابه، وعمامة هارون والآل: مقحم فيهما.
{تحمله الملائكة} قال وهب: لما صار التابوت عند القوم الذين غلبوا بني إسرائيل- فوضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تُصبح مُنكسرة، فحملوه إلى قرية قوم، فأصاب أولئك القومَ أوجاعٌ، فقالوا: ما هذا إلا لهذا التابوت، فلنتركه إلى بني إسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً فجعلوا التابوت عليها وربطوها ببقرتين، وأرسلوهما نحو بلاد بني إسرائيل، فبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر، وقيل غيرُ ذلك.
وقوله تعالى: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} يحتمل أن يكون من كلام نبيهم، أو من كلام الحق تعالى لنبينا- عليه الصلاة والسلام-.
الإشارة: من شأن غالب النفوس ألا تقبل الخصوصية عند أحد حتى تظهر علامتُها، ولذلك طالب الكفارُ الرسلَ بالمعجزات، وطالب العوامُ الأولياءَ بالكرامات، ويكفي في الولي استقامة ظاهره، وتحقيق اليقين في باطنه.
قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان ونعت العيان، وكرامة العمل على السنة والمتابعة، وترك الدعاوى والمخادعة، فَمنْ أُعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو مفترٍ كذاب، أو ذو خطأ في العلم والعمل... إلخ كلامه رضي الله عنه.
وقال في العوارف: وقد يكون مَنْ لا يُكَاشَفُ بشيء من معاني القَدَر أفضل ممن يكاشف بها، إذا كاشفه الله تعالى بصرف المعرفة، فالقدرة أثر من القادر، ومن أُهِّل لقرب القادر لا يستغرب ولا يستكثر شيئاً من القدرة، ويرى القدرة تتجلّى من سُحُب أجزاء عالم الحكمة. فالكرامة إنما تظهر للقلوب المضطربة والنفوس والمتزلزلة، وأما من سكن قلبه باليقين واطمأنت نفسه بالعيان لم يحتج إلى دليل برهان؛ إذ الجبال الراسية لا تحتاج إلى دُعامة، والله تعالى أعلم.
وكل من طالب أهلَ الخصوصية بالكرامة الحسية ففيه نزعة إسرائيلية، حيث قالوا لنبيهم بعد أن عيَّن لهم مَنْ أكرمه الله بخصوصية الملك: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ لْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} [البقرة: 247]. ورد الحق تعالى عليهم بقوله: {والله يؤتي ملكه من يشاء}. وما أظهر لهم كرامة التابوت إلا بعد امتناعهم من الجهاد المُتَعَيَّنِ عليهم رحمةٌ بهم. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآية رقم (249):

{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)}
قلت: قال في القاموس: غَرَفَ الماء يِغْرُفُه: أخذ بيده، كاغْتَرَفه، والغَرْفَةُ للمَرَّة، وبالكسر: هيئة الغرف وبالضام: اسم للمفعول، كالغرافة، لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غُرْفَة، ثم قال: والغُرْفَةُ، بالضم: العُلِّيَّة.
يقول الحقّ جلّ جلاله: ولما اتفقوا على مُلك طالوت تجهز للخروج، وقال: لا يخرج معه إلا الشبابُ النشيط الفارغُ ليس وراءه غُلْقة، فاجتمع ممن اختار ثمانون ألفاً، وقي: ثلاثون، فلما انفصل عن بلده بالجنود وساروا في البيداء- وكان وقت الحرِّ والقيّظ- عطشوا، وسألوا طالوتَ أن يُجري لهم نهراً، فقال لهم بوحْي، أو بإلهام، أو بأمر نبيهم: {إن الله مبتليكم} أي: مُختبركم {بنهر} بسبب اقتراحكم، {فمن شرب منه} كَرْعاً بلا واسطة {فليس مني} أي: من جيشي، {ومن لم يطعمه} أي: يَذْقه، {فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} فإنها تكفيه لنفسه ولفرسه، فالاستثناء من الجملة الأولى.
{فشربوا منه} أي: كَرعُوا، وسقطوا على وجوههم، {إلا قليلاً منهم} ثلاثُمائةٍ وأربعةَ عشر، على عدد أهل بدر، وقيل: ألفاً. رُوِيَ أن من اقتصر على الغَرفة كَفَتْه لشربه ودوابه، ومن لم يقتصر غلب عطشُه، واسودَّتْ شفتُه ولم يقدْر أن يمضيَ. وعن ابن عباس: أن القومَ شربوا على قدر يقينهم: فالكفار شربوا شُربَ الهيم، وشَرِب العاصي دون ذلك، وانصرف من القوم ستةٌ وسبعون ألفاً، وبقي بعضُ المؤمنين لم يشرب شيئاً، وأخذ بعضهم الغَرفة، فأما من شرب فاشتد به العطشُ وسقط، وأما من ترك الماءَ فحسن حالُه، وكان أجلَد ممن أخذ الغرفة. اهـ.
وحكمة هذ الامتحان: ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون، إذ لا يقع النصر إلاَّ بهم، فلما جاوز النهرَ طالوتُ ومن بقيَ معه ممن لم يشربْ قال بعضهم لبعض: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده}؛ لكثرتهم وقلة عددنا، {قال الذين يظنون} أي: يَتَيَقَّنْون {أنهم ملاقوا الله} ويتوقعون ثوابَ الشهادة وهم الخُلْصُ من أهل البصيرة: لا تفزعوا من كثرة عددهم {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} وإرادته ومعونته، و{كم} للتكثير، {والله مع الصابرين} بالنصر والمعونة.
الإشارة: قال بعض الحكماء: الدنيا كنهر طالوت، لا ينجو منها إلا من لم يشربْ أو اغترف غرفةً بيده، فمن أخذ منها قَدْرَ الضرورةِ كَفَتْه، ونَشَطَ لعبادة مولاه، ومن أخذ فوق الحاجة حُبس في سجنها، وكان أسيراً في يدها.
وقال بعضهم: طالبُ الدنيا كشارب ماءِ البحر، كلما زاد شربه ازداد عطشه. اهـ. وقال صلى الله عليه وسلم: «من أُشرب قلبه حُبَ الدنيا التاط منها بثلاث: بشغل لا ينفد عناه، وأمل لا يبلغ منتهاه، وحرص لا يدرك مداه» وقال عيسى عليه السلام: الدنيا مزرعة لإبليس، وأهلها حراث له. اهـ. وقال عليّ رضي الله عنه: الدنيا كالحية: لَيِّن مسها، قاتل سمها، فكن أحذر ما تكونُ منها، أَسَرَّ ما تكون بها؛ فإن من سكن منها إلى إيناس أزاله عنها إيحاش.
وقال عليه الصلاة والسلام: «مِنْ هوان الدنيا على الله أنه لا يُعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها» وقال سيدنا عليّ- كرّم الله وجهه-: أول الدنيا عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، ومتشابهها عتاب، من استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزن. اهـ. وقيل: الدنيا تُقبل إقبال الطالب، وتُدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول، وتُفارق فراق العجول، خيرها يسير، وعمرها قصير، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية.
وقال عيسى عليه السلام: تعملون للدنيا، وأنتم تُرزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل. اهـ. وقيل: أوحى الله إلى الدنيا: مَنْ خدَمني فاخدِميه، ومن خدمك فاستخدِميه.
وكان عمرُ بنُ عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات:
نهارُكَ مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ ** وليلُكَ نومٌ والأسَى لك لازمٌ

تُسَرُّ بما يفْنَى وتفرحُ بالمُنَى ** كما سُرَّ باللذَّات في النومِ حالمُ

وشغلُك فيها سوف تكرَه غَبَّه ** كذلك في الدنيا تَعيِشُ البهائمُ

وقال آخر:
هي الدارُ دَارُ الأذى والقذى ** ودارُ الفناءِ ودارُ الْغِيَرْ

فلو نِلْتَها بحذافيرها ** لمِتَّ ولم تَقْضِ منا الوطرْ

أيا مَنْ يؤملُ طولَ الخلودِ ** وطولُ الخلودِ عليه ضررْ

إذا ما كبِرْتَ وفات الشبَابُ ** فلا خيرَ في العيش بعد الكِبرْ